محمد بن جرير الطبري

502

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

حدثني موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، عن أسباط ، عن السدى في حديث ذكره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مره الهمداني ، عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب النبي ص قال : كان سليمان يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين ، والشهر والشهرين ، وأقل من ذلك وأكثر ، يدخل طعامه وشرابه ، فأدخله في المرة التي مات فيها ، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه الا نبتت في بيت المقدس شجره ، فيأتيها ، فيسألها : ما اسمك ؟ فتقول الشجرة : اسمى كذا وكذا ، فيقول لها : لأي شيء نبت ؟ فتقول : نبت لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع ، فان كانت نبتت لغرس غرسها ، وان كانت نبتت دواء قالت : نبت دواء لكذا وكذا ، فيجعلها لذلك ، حتى نبتت شجره يقال لها الخروبه فسألها : ما اسمك ؟ قالت : انا الخروبه ، قال : ولأي شيء نبت ؟ قالت : نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان : ما كان الله ليخربه وانا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس ، فنزعها وغرسها في حائط له ، ثم دخل المحراب فقام يصلى متكئا على عصاه فمات ، ولا تعلم به الشياطين ، وهم في ذلك يعملون له يخافون ان يخرج فيعاقبهم ، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب ، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه ، فكان الشيطان الذي يريد ان يخلع يقول : ا لست جليدا ان دخلت فخرجت من ذلك الجانب ؟ فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر ، فدخل شيطان من أولئك ، فمر - ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان في المحراب الا احترق - ولم يسمع صوت سليمان ، ثم رجع فلم يسمع ، ثم رجع فلم يسمع ثم رجع فوقف في البيت فلم يحترق ، ونظر إلى سليمان قد سقط ميتا ، فخرج فأخبر الناس ان سليمان قد مات ، ففتحوا عنه فأخرجوه ، ووجدوا منسأته - وهي العصا بلسان الحبشة - قد أكلتها الأرضة ، ولم يعلموا منذ كم مات ، فوضعوا الأرضة على العصا ، فأكلت منها يوما وليله ، ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنه ، وهي في قراءة ابن مسعود : فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا ، فأيقن الناس عند ذلك ان الجن كانوا يكذبونهم ، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا موت